صديق الحسيني القنوجي البخاري

227

فتح البيان في مقاصد القرآن

عليهم هنا من باب المشاكلة ، قال ابن عباس : كان القوم في الجاهلية إذا نزلوا بالوادي قالوا نعوذ بسيد هذا الوادي من شر ما فيه ، فلا يكون شيء أشد ولعا منهم بهم ، فذلك قوله : فَزادُوهُمْ رَهَقاً . وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً أي وأن الجن ظنوا كما ظننتم أيها الناس أنه لا بعث بعد الموت ، فتكون هذه الآية وما قبلها من جملة الكلام الموحى به ، وقيل المعنى : وأن الإنس ظنوا كما ظننتم أيها الجن . على أنه كلام بعض الجن لبعض ، والمعنى أنهم لا يؤمنون بالبعث كما أنكم لا تؤمنون به . وهذان القولان من كلام اللّه تعالى معترضان في خلال كلام الجن المحكي عنهم عند بعض المفسرين . وعند بعضهم هما من جملة كلام الجن ، وعليه فلا اعتراض في الكلام ، تأمل . [ سورة الجن ( 72 ) : الآيات 8 إلى 14 ] وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً ( 8 ) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً ( 9 ) وَأَنَّا لا نَدْرِي أَ شَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً ( 10 ) وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً ( 11 ) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً ( 12 ) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً ( 13 ) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً ( 14 ) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ هذا من قول الجن أيضا أي طلبنا خبرها كما جرت به عادتنا ، واللمس المس فاستعير للطلب لأن الماس طالب متعرف فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً أي جمعا أقوياء من الملائكة يحرسونها عن استراق السمع ، والحرس جمع حارس وهو الرقيب ، والمصدر الحراسة ، وقيل اسم مفرد في معنى الحراس كالخدم في معنى الخدام ، ولذا وصف بشديد ، ولو نظر إلى معناه لقيل شدادا ، وشهبا جمع شهاب وهو الشعلة المقتبسة من نار الكوكب . كما تقدم بيانه في تفسير قوله : وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ [ الملك : 5 ] وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ أي وإنا كنا معشر الجن قبل هذا نقعد من السماء مواضع نقعد في مثلها لاستماع الأخبار من السماء ؛ وللسمع متعلق بنقعد أي لأجل السمع أو بمضمر هو صفة لمقاعد أي مقاعد كائنة للسمع ، والمقاعد جمع مقعد اسم مكان وذلك أن مردة الجن كانوا يفعلون ذلك ليسمعوا من الملائكة أخبار السماء فيلقونها إلى الكهنة ، فحرسها اللّه سبحانه ببعثة رسوله صلى اللّه عليه وسلم بالشهب المحرقة . عن ابن عباس قال : « كانت الشياطين لهم مقاعد في السماء يسمعون فيها الوحي فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعا فأما الكلمة فتكون حقا . وأما ما زادوا فيكون باطلا فلما بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم منعوا مقاعدهم ، فذكروا ذلك لإبليس ، ولم تكن النجوم